وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجِدُوا أَلَمَ الْعَذَابِ وَكَرْبِهِ وَشِدَّتِهِ بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُكَذِّبُونَ آيَاتِ اللَّهِ وَيَجْحَدُونَهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقِهِ , لَا يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْهُ أَحَدٌ أَرَادَهُ بِضُرٍّ , وَلَا الِانْتِصَارِ مِنْهُ أَحَدٌ أَحَلَّ بِهِ عُقُوبَةً , حَكِيمًا فِي تَدْبِيرِهِ وَقَضَائِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) }
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَصَدَّقُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
يَقُولُ:"وَأَدَّوْا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ , وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِ , وَذَلِكَ هُوَ الصَّالِحُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ {سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} "
يَقُولُ: سَوْفَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَنَّاتٍ، يَعْنِي: بَسَاتِينَ {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}
يَقُولُ:"تَجْرِي مِنْ تَحْتِ تِلْكَ الْجَنَّاتِ الْأَنْهَارُ."
{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}
يَقُولُ:"بَاقِينَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا انْقِطَاعٍ , دَائِمٌ ذَلِكَ لَهُمْ فِيهَا أَبَدًا."
{لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ}
يَقُولُ: لَهُمْ فِي تِلْكَ الْجَنَّاتِ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا {أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ}
يَعْنِي: بَرِيئَاتٌ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالرِّيَبِ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْحَبَلِ وَالْبُصَاقِ , وَسَائِرِ مَا يَكُونُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ , وَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهَا.