ثم أبان الله تعالى عقوبة الحدّ على الزّانية الأمة، فجعل عقوبتها نصف عقوبة الحرّة، وذلك بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ ... أي أن الإماء إذا زنين بعد إحصانهن بالزّواج، فحدّهنّ نصف حدّ الحرائر، وإذا كان حدّ الحرّة مائة جلدة بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ فحدّ الأمة هو خمسون جلدة. هذا ما دلّ عليه القرآن، فلا رجم للإماء لأن الرّجم لا يتنصف، ودلّت السّنّة على حدّ الأمة غير المزوجة،
روى الشيخان عن زيد بن خالد الجهني أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال:
«اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» .
والسبب في تصدير الآية بقوله: فَإِذا أُحْصِنَّ هو دفع توهم أن التزوّج يزيد في حدهنّ، فهو قيد لم يجر مجرى الشرط، فلا مفهوم له.
ثم ذكر الله تعالى بقوله: ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ شرطا آخر لإباحة نكاح الإماء وهو الخوف من الزنى، وهذا ما أخذ به الشافعي رضي الله عنه، أما أبو حنيفة فلم يجعل ذلك شرطا، وإنما هو إرشاد للأصلح.
ثم أوصى الله تعالى في نكاح الإماء بوصية أدبيّة خلقية عامة فقال: وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ أي أن صبركم عن نكاح الإماء خير لكم من نكاحهنّ، وإن أبيح
لكم ذلك للضرورة بشروط، لما فيه من أضرار: بتعريض الولد للرّق، ولأنهنّ ممتهنات مبتذلات، خرّاجات ولّاجات، وذلك ذلّ ومهانة يرثه الواد منهن، ولأن حقّ المولى في الإماء أقوى من حقّ الزّوجية، فله الحقّ باستخدامهنّ، والسفر بهنّ وبيعهنّ، وفي ذلك مشقّة عظيمة على الأزواج.
جاء في مسند الدّيلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الحرائر: صلاح البيت، والإماء:
هلاك البيت»
وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «إذا نكح العبد الحرّة فقد أعتق نصفه، وإذا نكح الأمة فقد أرقّ نصفه» .