ومنها: الإشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها الأكل بالباطل، فإنَّ تحديد قيمة الشيء ، وجعل ثمنه على قدره بالقسطاس المستقيم يكاد يكون مستحيلًا، ومن ثم يجري التسامح فيها إذا كان أحد العوضين أكبر من الآخر، أو إذا كان سبب الزيادة براعة التاجر في تزيين سلعته، وترويجها بزخرف القول من غير غش ولا خداع، فكثيرًا ما يشتري الإنسانُ الشيء وهو يعلم أنه يمكنه شراؤه من موضع آخر بثمن أقلّ، وما نشأ هذا إلّا من خلابة التاجر وكياسته في تجارته، فيكون هذا من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، فيكون حلالًا، والحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة؛ لشدة حاجة الناس إليها، والتنبيه إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختيار الأشياء، والتدقيق في المعاملة حفظًا للأموال، حتى لا يذهب شيء منها بالباطل؛ أي: بدون منفعة تقابلها.
فإذا ما وجد في التجارة الربح الكثير بلا غشٍ ولا تغرير، بل بتراض من الطرفين .. لم يكن في هذا حرج، ولولا ذلك ما رغب أحد في التجارة، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين، على شدة حاجة العمران إليها، وعدم الاستغناء عنها.
ولما كان المال عديل الروح، وقد نهينا عن إتلافه بالباطل، كنهينا عن إتلاف النفس؛ لكون أكثر إتلافهم لها بالمغامرات؛ لنهب الأموال، وما كان متصلًا بها، وربما أدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ؛ أي: لا تفعلوا ما تستحقون به القتل، من قتل المؤمن بغير حق والردة والزنا بعد الإحصان، أو المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا، وإنما قال: {أَنْفُسَكُمْ} لأنهم أهل دين واحد، فهم كنفس واحدة، وللإشعار بتعاون الأمة وتكافلها ووحدتها، وقد جاء في الحديث:"المؤمنون كالنفس الواحدة"؛ ولأن قتل الإنسان لغيره يفضي إلى قتله قصاصًا أو ثأرًا، فكأنه قتل نفسه.