ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ إِذْ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْكُمْ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ ، حَتَّى إِنَّهُ أَبَاحَ لَكُمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ نِكَاحَ الْإِمَاءِ ، بَلْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ قَطُّ ، فَشَرِيعَتُكُمْ هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ كَمَا وَرَدَ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا لَا يَقْدِرُ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْمَيْلِ إِلَى النِّسَاءِ وَلَا يَحْمِلُ ثِقَلَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ ، فَمِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ إِلَّا مَا فِي إِبَاحَتِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَمَعَ هَذَا تَرَى الزِّنَا يَفْشُو حَيْثُ يَضْعُفُ الدِّينُ حَتَّى لَا يَكَادَ النَّاسُ يَثِقُونَ بِنَسْلِهِمْ ، وَحَتَّى تَكْثُرَ الْأَمْرَاضُ وَيَقِلَّ النَّسْلُ ، وَيَسْتَشْرِيَ الْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ ، وَقَدْ كَانَ الرِّجَالُ وَلَا يَزَالُونَ هُمُ الْمُعْتَدِينَ فِي هَذَا الْأَمْرِ لِقُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ ، وَشِدَّةِ جُرْأَتِهِمْ ، فَهُمْ يُفْسِدُونَ النِّسَاءَ وَيَسْتَمِيلُونَهُنَّ بِالْمَالِ ، ثُمَّ يَتَّهِمُونَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ الْمُتَصَدِّيَاتُ لِلْإِفْسَادِ ، وَيَحِجْرُ وَاحِدُهُمْ عَلَى امْرَأَتِهِ وَيَحْجُبُهَا ، وَيَحْتَالُ عَلَى إِخْرَاجِ امْرَأَةِ غَيْرِهِ مِنْ خِدْرِهَا ! وَهُوَ يَجْهَلُ أَنَّ الْحِلْيَةَ الَّتِي أَفْسَدَ بِهَا امْرَأَةَ غَيْرِهِ هِيَ الَّتِي يُفْسِدُ بِهَا غَيْرُهُ امْرَأَتَهُ ، وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَفْسُقُ رَجُلٌ إِلَّا وَيَكُونُ أُسْتَاذًا لِأَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْفِسْقِ ، وَمِنْ حِكَمِ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:"عِفُّوا تَعِفَّ نِسَاؤُكُمْ ،"