قَالَ: ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ يَصِلُوا بِالْفِكْرِ مَعَ الذِّكْرِ إِلَى بَقَاءِ الْعَالَمِ ، وَاسْتِمْرَارِهِ ; لِأَنَّ نِظَامَهُ الْبَدِيعَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ الْحَكِيمُ بَاطِلًا (أَيْ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ) وَبَعْدَ أَنْ يَدْعُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَقِيَهُمْ دُخُولَ النَّارِ فِي الْحَيَاةِ الثَّانِيَةِ يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ قَائِلِينَ: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أَيْ إِنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى هَيْبَةِ ذَلِكَ الرَّبِّ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي خَلَقَ تِلْكَ الْأَكْوَانَ الْمَمْلُوءَةَ بِالْأَسْرَارِ ، وَالْحِكَمِ ، وَالدَّلَائِلِ عَلَى قُدْرَتِهِ ، وَعِزَّتِهِ ، فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْتَصِرَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ مَنْ عَادَاهُ فَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى لَهُ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ ، فَيُقِرُّونَ بِأَنَّ مَنْ أَدْخَلَهُ نَارَهُ فَقَدْ أَخْزَاهُ ، أَيْ أَذَلَّهُ وَأَهَانَهُ . وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ وَصَفَ مَنْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِالظَّالِمِينَ تَشْنِيعًا لِأَعْمَالِهِمْ ، وَبَيَانًا لِعِلَّةِ دُخُولِهِمْ فِيهَا ، وَهُوَ جَوْرُهُمْ ، وَمَيْلُهُمْ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ . فَالظَّالِمُ هُنَا هُوَ الَّذِي يَتَنَكَّبُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ لَا الْكَافِرُ خَاصَّةً كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ ، فَإِنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ وُلُوعُ النَّاسِ بِإِخْرَاجِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ كُلِّ وَعِيدٍ يُذْكَرُ فِي كِتَابِهِمْ ، وَحَمْلُهُ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، كَذَلِكَ فَعَلَ السَّابِقُونَ ، وَاتَّبَعَ سَنَنَهُمُ اللَّاحِقُونَ ، فَكُلُّ ظَالِمٍ يُؤْخَذُ بِظُلْمِهِ ، وَيُعَاقَبُ