إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)
(سورة الأحزاب)
إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل الأمانة وهذا يعني أن الأمانة سوف تكون عرضة للتصرف والاختيار ، ولا كائن فِي الكون قد ضمن لنفسه القدرة على الوفاء وقت الأداء. لقد أعلنت الكائنات قولها فأبين تحمل الأمانة وكأنها قالت: إنا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين مقهورين لا اختيار لنا ؛ ولذلك نجد الكون كله يؤدي مهمته كما أرادها الله ، ما عدا الإنسان ، أي أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الاختيار ، وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال: إنني قادر على تحمل الأمانة ؛ لأني أستطيع الاختيار بين البدائل.
وهنا نذكر الإنسان: إنك قد تكون قوياً لحظة التحمل ، ولكن ماذا عن حالك وقت الأداء ؟ لذلك قال الله عن الإنسان:"وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً"لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك فهو ظلوم. وهو جهول لأنه قدر وقت التحمل ، ولم يقدر وقت الأداء ، أو ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها. إذن فالإنسان وإن كان واثقاً أنه سيؤدي الأمانة إلا أنه عرضة للأغيار ، لذلك قال الحق سبحانه:"ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله"فالكتابة فرصة ليحمي الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء ، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقاً لا يجعلك أيها العبد خاضعاً لذمتك الإيمانية فقط ، ولكنك تكون خاضعاً للتوثيق الخارج عن إيمانيتك أيضاً ، وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله.