وأيضا قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين ، وهنا نقول: لا ، إن الأمر مختلف ، فهنا رهان ، وذلك معناه وجود مسألتين ، المسألة الأولى هي"الدين"، والمسألة الثانية هي"الرهان المقبوضة"وهي مقابل الدين. فواحد مأمون على الرهن فِي يده. والآخر مأمون على الدين. ولهذا يكون القول الحكيم مقصودا به من بيده الرهن ، ومن بيده الدين ومعنى ذلك أن يؤدي من معه الرهن أمانته ، وأن يؤدي الآخر دينه. وحين نرتقي إلى هذا المستوى فِي التعامل فإن وازع الإنسان ليس فِي التوثيق الخارج عن ذات النفس ، ولكنه التوثيق الإيماني بالنفس ، ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيماني عند كل الناس ؟. أنضمن الظروف ؟. نحن لا نضمن الظروف ، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ ، ولا نضمن أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء فقد يأتي واحد ويقول لك: إن عندي مائة جنيه وخذها أمانة عندك.
ومعنى"أمانة"أنه لا يوجد صك ، ولا شهود ، وتكون الذمة هي الحكم ، فإن شئت أقررت بهذه الجنيهات المائة ، وإن شئت أنكرتها. إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة جنيه فِي الذمة الإيمانية ، ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك: نعم سأحتفظ لك بالمائة جنيه بمنتهى الأمانة. وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن يطلبها ، ولكنك لا تضمن ظروف الحياة بالنسبة لك ، وأنت كإنسان من الأغيار. ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطا يجعلك تماطل معه فِي أداء الأمانة ، أو يجعلك تنكرها ، فتقول لمن ائتمنك:
ابعد عني ؛ أنا لا أملك نفسي فِي وقت الأداء ، وإن ملكت نفسي وقت التحمل. والأمانة هي القضية العامة فِي الكون ، وإن كانت خاصة الآن بالنسبة للآية الكريمة التي نحن بصددها والحق - سبحانه - يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول - جل شأنه -: