روى عنه زهاء ثلاثمائة رجل من البلدان منهم زيادة على سبعين رجلًا من خيار التابعين ورفعائهم، وهذه منزلة لا تكاد توجد لكثير أحد من التابعين على أن من جرحه من الأئمة لم يمسك من الرواية عنه، ولم يستغنوا عن حديثه، وكان يتلقى حديثه بالقبول، ويحتج به قرنًا بعد قرن، وإمامًا بعد إمام إلى وقت الأئمة الأربعة الذين أخرجوا الصحيح وميزوا ثابته من سقيمة وخطأه من صوابه، وهم: البخاري ومسلم، وأبو داود، والنسائي، فأجمعوا على إخراج حديثه واحتجوا به على أن مسلمًا كان أسوأهم رأيًا فيه، وقد أخرج عنه مقرونًا وعدله بعدما جرحه.
وقال أبو عبد اللَّه محمد بن نصر المروزي: قد أجمع عامة أهل العلم بالحديث على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم: أحمد بن حنبل، وابن راهوية، ويحيى بن معين، وأبو ثور، ولقد سألت إسحاق بن راهوية عن الاحتجاج بحديثه، فقال عكرمة عندنا إمام الدنيا تعجب من سؤالي إياه، وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين، وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة، فأظهر التعجب.
قال أبو عبد اللَّه: وعكرمة قد ثبتت عدالته بصحبة ابن عباس وملازمته إياه، وبأن غير واحد من العلماء قد رووا عنه وعدلوه قال: وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد
حتى يبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه، وقال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري وأبو عبد اللَّه الحاكم، وأبو عمر بن عبد البر: فيه نحوًا مما تقدم عن محمد بن نصر.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة فقال ثقة قلت يحتج بحديثه قال نعم إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه على أنه لم يثبت عنه من وجه قاطع أنه كان يرى ذلك، وإنما كان يوافق في بعض المسائل فنسبوه إليهم، وقد برأه أحمد والعجلي من ذلك، فقال في كتابه الثقات له (عكرمة مولى ابن عباس -رضي اللَّه عنهم- مكي تابعي ثقة برئ مما يرميه الناس به من الحرورية) (2) ، وقال ابن جرير لو كان كل من ادعى عليه مذهبًا من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعى به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه.