وعندما نبحث فِي ثنايا هذه النصوص"وجزاء سيئة سيئة مثلها"قد يرد هذا الخاطر أخذت حقي ممن أساء إلي ، وانتقمت منه بعمل يماثل العمل الذي فعله معي ، هل يقال: إنني فعلت سيئة ؟ وحتى نفهم المسألة نقول: الحق سبحانه وتعالى يأتي فِي بعض الأحايين بلفظ"المشاكلة"وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه فِي صحبته ، ومثل ذلك قوله:"ومكروا ومكر الله"، إن الله لا يمكر ، وإنما اللفظ جاء للمشاكلة ، أو أن اللفظ الكريم قد جاء فِي استيفاء حقك بكلمة"سيئة مثلها"لينبهك إلى أن استيفاء حقك بمثل ما صنع بك يعتبر سيئة إذا ما وازناه بالصفح والعفو عن المسيء ، يشير إلى ذلك سبحانه فِي نهاية هذه الآية بقوله:"فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين"وبمثل ذلك كان ختام الآية السابقة"ولئن صبرتم لهو خير للصابرين". ويقول الحق:"والفتنة أشد من القتل"، والفتنة مأخوذة من الأمر الحسي ، فصائغ الذهب يأخذ قطعة الذهب فيضعها فِي النار فتنصهر ، فإذا ما كان يشوبها معدن غريب عن الذهب فهو يخرج ويبقى الذهب خالصا ، فكأن الفتنة ابتلاء واختبار ، وقد فعل المشركون ما هو أسوأ من القتل ، فقد حاولوا من قبل أن يفتنوا المؤمنين فِي دينهم بالتعذيب ، فخرج المؤمنون فراراً بدينهم. والحق يأمر المسلمين فِي قتالهم مع أهل الشرك أن يراعوا حرمة البيت الحرام ، فلا ينتهكوها بالقتال إلا إذا قاتلوهم أهل الشرك.