المال خيرًا هَاهُنَا تنبيها عَلَى معنى لطيف أن الذي يحسن الوصية به ما كان مجموعًا من وجه
محمود، وهذا مَخْصُوص بهذا المرام ولا يتناول التَّسْميَة في غير هذا كما مَرَّ وكقوله:(وَمَا
تُنْفقُوا منْ خَيْرٍ)الآية. فالأولى إنما سمي المال خيرًا للترغيب عَلَى تحصيله
بوجه شرعي خال عن الشبهة فضلًا عن الحرمة.
قوله: (وقيل مالًا كثيرًا) مرضه لما سيجيء في قوله وفيه نظر، وَأَيْضًا وجه تسمية
المال خيرًا متحقق في القليل والكثير، وقول بعضهم لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرًا
ليس مستندًا إلَى شبهة فضلًا عن دليل؛ لأن المال إن جمع بوجه محمود فهو طيب وهذا
معنى كونه خيرًا وإن جمع بظلم أو بوجه غير شرعي فهو شر، وإن كان القناطير المقنطرة. وما
روي عن علي وعائشة رضي الله عنهما فمأول بأن من أراد الوصية وهو ذو عيال، كَمَا صَرَّحَ
في حديث عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - ومن كان كَذَلكَ لا يناسب له الوصية بالتبرع إلا إذا
كان كثيرًا فاضلًا عن كفاية الوارث وهذا هُوَ الْمُرَاد بقوله - رضي الله تَعَالَى عنه - ، والخير هُوَ
المال الكثير لا الكثير في نفسه، أَلَا [تَرَى] أن من ليس له وارث فمائة درهم مال كثير بالنسبة
إليه ومن له عيال كثير فعشرة آلاف قليل بالنسبة إليه عَلَى أن اسْتعْمَال الْقُرْآن الخير في
مطلق المال شائع كما عرفت فلا يعارضه الآحاد.
قوله: (لما روي من علي - رضي الله تَعَالَى عنه - أن مولى له أراد أن يوصي) أي للوالدين
أو الأقربين كما هُوَ مقتضى المقام لكنه بعيد عن المرام؛ لأن المولى وهو المعتَق اسم مَفْعُول
ليس له والد ولا الأقرب يصح الوصية له، كما هُوَ الظَّاهر، فالْمُرَاد الوصية مُطْلَقًا تبرعًا.
قوله: (وله سبعمانة درهم فمنعه) لكونه ذا عيال فالمال قليل بالنسبة إليه قوله (وقال
قال الله تَعَالَى (إنْ تَرَكَ خَيْرًا) والخير هُوَ المال الكثير) في معرض التعليل والخير هُوَ المال
الكثير بالنسبة إلَى الموصي وحاله كثير العيال أو قليله فإن كثرة المال وقلته تختلف
باخْتلَاف أحوال الموصي رجلًا كان أو امرأة
قوله:(وعن عائشة - رضي الله تَعَالَى عنها - أن رجلًا أراد أن يوصي فسألته كم مالك
فقال ثلاثة آلاف فقالت كم عيالك؟ قال أربعة)والْكَلَام فيه مثل ما مَرَّ فسألته الفاء للسببية مع
التعقيب فقال ثلاثة آلاف أي درهم.
قوله: (قالت إنما قال الله تَعَالَى(إنْ تَرَكَ خَيْرًا) وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك) أي
قليل بالنسبة إليك وإن كان المال كثيرًا في نفسه أو بالْإضَافَة إلَى غيرك، ولهذا قالت فاتركه
لعيالك فإنه خير لك من الوصية بالتبرع.
قوله: (للوالدين والأقربين) لا يطلق الأقرب للوالدين في العرف ولذا ذكر الأقربين
في مقابلتهما.