والبذل لهذه الأصناف لا يتقيد بزمن معين، ولا بملك نصاب محدود من المال، ولا بتقدير المال المبذول بمقدار معين كالزكاة الواجبة، بل هو موكول إلى طاقة المعطي وحال المعطى، وقد أغفل الناس أداء هذه الحقوق التي حثَّ عليها الكتاب الكريم، مع ما فيها من التكافل العام بين المسلمين، ولو أدوها .. لكانوا في معايشهم من خير الأمم، ولدخل كثير من الناس في الإِسلام؛ لما يرون فيه من جميل العناية بالفقراء، وأن لهم حقوقًا في أموال الأغنياء، فتتوثق الصلة بين الطوائف المختلفة من المسلمين.
وسابعها: إقامة الصلاة وأداء الزكاة، فاليهود كانوا يمنعون الناس منهما، وذكره بقوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ} المفروضة؛ أي: أداها في أوقاتها المحدودة لها. {وَآتَى الزَّكَاةَ} ؛ أي: وأعطى الزكاة المفروضة في مصارفها المبينة شرعًا، وقوله: {وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ} معطوف على {آمَنَ} على كونها صلة لـ {مَنْ} ؛ أي: ولكن البرَّ برُّ من آمن بالله، وبر من أقام الصلاة وآتى الزكاة.
والمرادُ بإقامة الصلاة: أداؤها على أقوم وجه، ولا يستحق ذلك بأداء أفعال الصلاة وأقوالها فحسب، بل إنما يكون ذلك بوجود سرِّ الصلاة وروحها، ومن آثاره تحلي المصلي بالأخلاق الفاضلة، وتباعده من الرذائل، فلا يفعل فاحشةً ولا منكرًا.
وقلما تجيء الصلاة في القرآن الكريم إلا وهي مقترنة بالزكاة، وذلك لأن الصلاة تهذب الروح، والمال قرين الروح، فبذله ركن عظيم من أعمال البر، ومن ثم أجمع الصحابة على محاربة مانعي الزكاة من العرب بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأن مانعها يهدم ركنًا من أركان الإِسلام، وينقض أساس الإيمان، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه سبعين مرة.