فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 53029 من 466147

وكلمة الله السامية: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) اشتملت على إيجاز القِصَر البليغ إلى ما لَا يصل إليه إلا كلام رب العالمين، ولقد كان هناك مثل سائر في العرب، يقولون إنه أبلغ الكلام في إيجازه، وأعمقه في أدائه، وهو قولهم:"القتل أنفَى للقتل"، وعقد بعض العلماء موازنة بينها، وبين الجملة السامية (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وقد استنكر ابن الأثير هذه الموازنة؛ لأنه لَا يوزن كلام الله تعالى بكلام أحد من الناس، وعقد هواة الموازنة ربما يكون فيها تنزيل من مقام المعجز الذي لَا يستطيع أحد من البشر أو الجن أن يأتي بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.

وإن الموازنة انتهت بأنه لَا يمكن المماثلة بين كلام العرب وكلام الله تعالى، وأنه بالنظرة العابرة نرى كلام الله تعالى في مكانة وكلام العرب في دركه، فنجد أولا التكرار في لفظ"القتل أنفَى للقتل"، ولا تكرار في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) ونجد أن الآية تدل على القصاص العادل، و"القتل أنفَى للقتل"لا تدل على القتل العادل، بل تدل على مجرد القتل، ونجد أن القصاص يشمل القتل وقطع الأطراف، بينما كلمة العرب لَا تدل إلا على القتل فقط، ونجد أن لفظ العرب لا يدل على حياة الجماعة، بينما أن النص القرآني السامي لَا يدل فقط على نفي القتل بل يدل على قيام الحياة الكريمة من هذا القصاص العادل، وإن المقابلة بين القصاص والحياة الكريمة تبين منزلة العدالة في القصاص.

وهكذا نجد أوجه الإعجاز في هذا الإيجاز بما لَا يمكن أن يصل إليه كلام مهما بلغت مكانته من البيان عندهم، فهي بلاغة تليق بكلام الإنسان، وتتقاصر عن أن تصل إلى كلام الديان، وكلام الناس يجري في مساره، ولا يصل إلى برج القرآن الأقدس، تعالت كلماته وتعالى منزله.

ولقد قال نعالى مخاطبا الذين يدركون ما في القصاص من ثمرة وهي الحياة العزيزة الآمنة الطاهرة من رجس الآثام وفسق الفساق واعتداء المعتدين، فقال نعالى: (يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) الألباب جمع لب وهو العقل المدرك الذي لَا يكتفى في إدراكه بمظاهر الأمور، فهؤلاء أصحاب الألباب التي تغوص إلى الحقائق فتدركها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت