وهنا نلاحظ أن فتح باب العفو، وأن يكون القصاص بطلب ولي الدم يخالف القوانين القائمة على أن جريمة الدماء تكون اعتداء على الجماعة، ويكون المجني عليه شاهدا، وليس صاحب الحق الأول، وإن العدل هو في النظرية الشرعية التي تعتبر الجريمة ابتداء متجهة إلى أسرة المجني عليه، وعن طريقها تتجه إلى الجماعة، وذلك تمكين للأسرة من أن تنال حقها، وردع للأشرار عن طريق القصاص، أو التمكين منه، ويكون منعا للثارات والفساد في الأرض، والعقوبة واحدة، القصاص صورة ومعنى أو صورة فقط، ولا يفتح باب للتخفيف من عقوبة أشد إلى أخف منها إلا بإرادة المجني عليه، فيكون ذلك أمنع له من أن يفكر في ثأر، أو يكون في نفسه غيظ مكظوم دفين.
وإن شرعية القصاص على النحو الذي ذكره القرآن الكريم فيه حفظ للأنفس، وإشاعة للطمأنينة في النفوس وإرهاب للعصاة المتمردين على المجتمع، وإحساس بالراحة؛ ولذلك قال تعالى:
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) وإن هذه الكلمات السامية أبلغ تعبير عن آثار شرعية القصاص في الأمة.
والقصاص كلمة عامة يشمل القصاص في الأنفس الذي اختصت به آية القصاص، إذ قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أما في هذه الآية (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) فإن القصاص يشمل الأنفس والأطراف والجروح، كما قال تعالى في سورة المائدة، بل يشمل القصاص في الضرب واللطم على ما حققه فقهاء السلف، وأخذ به الإمام أحمد.
وفى قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) تعميم للقصاص مع تعريفه بأل التي تفيد الاستغراق، وتنكيره لكلمة حياة، والتنكير هنا للتعظيم، أي حياة سعيدة هادئة مطمئنة خالية من عبث السفاكين، واعتداء المعتدين واستهزاء المستهزئين هي حياة كريمة تظهر فيها الفضيلة، وتختفي فيها الرذيلة، تحترم فيها الحقوق، وتحقق فيها الواجبات؛ يقام فيها العدل، ويختفي فيها الظلم، ويتحقق الاجتماع، ولا يكون التنابذ والافتراق فلا شيء يربط الحياة بين الجماعات والآحاد سوى العدل والحق.