قال ابنُ مسعودٍ: ما كانَ بين إسلامنَا ، وبينَ أنْ عوتبْنَا بهذهِ الآية ِ
إلا أربعَ سنينَ. خرَّجَه مسلم.
وفي روايةٍ أُخرى قال: فجعلَ المؤمنون يعاتِبُ بعضُهم بعضًا.
وعن ابنِ عباسٍ قال: إن اللَّهَ استبْطأ قلوبَ المهاجرينَ فعاتَبهُم ، على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةٍ من نزُولِ القرآنِ ، بهذه الآيةِ.
فهذه الآية ُ تتضمّنُ توبيخًا وعتابًا لمن سمعَ هذا السماعَ ، ولم يُحدِثْ له في
قلبهِ صَلاحًا ورقَّةً وخشوعًا ، فإنَّ هذا الكتابَ المسمُوعَ يشتملُ على نهاية
المطلوبِ ، وغايةِ ما تصلُحُ به القلوبُ ، وتنجذبُ به الأرواحُ ، المعلّقةُ بالمحلًّ
الأعْلَى إلى حضرةِ المحبوبِ ، فيحْيى بذلك القلبُ بعد مماتِهِ ، ويجتمعُ بعدَ
شتاتهِ ، وتزولُ قسوتُهُ بتدبُّر خطابِهِ وسماع آياتهِ ، فإنَّ القلوبَ إذا أيقنتْ بعظمةِ ما سمعتْ ، واستشْعَرتْ شَرَفَ نسبةِ هذا القولِ إلى قائلِهِ ، أذعنتْ وخضعتْ.
فإذا تدبَّرَتْ ما احتَوى عليه من المرادِ ووعتْ ، اندكَّتْ من مهابةِ اللَّهِ وإجلالِهِ ، وخشعت.
فإذا هطلَ عليها وَابلُ الإيمانِ من سُحُب القرآنِ ، أخذتْ ما وسعتْ ، فإذَا
بذَر فيها القرآنُ مِنْ حقائقِ العرفانِ ، وسقاهُ ماءُ الإيمانِ ، أنبتتْ ما زرعتْ
(وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَؤجِ بَهِيجٍ) ، (فانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كيْفَ يحْي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) ، ومتى فقدت القلوبُ غذاءَها ، وكانتْ جاهلةً بهِ ، طلبت العِوضَ من غيرهِ ، فتغذتْ بِهِ ، فازداد سقمُها بفقْدِهَا ما ينفعُها والتعوّضِ بما يضرّها.
فإذا سقمتْ مالتْ إلى ما فيه ضررُها ، ولم تجدْ طعمَ غذائِها ، الذي فيه نفعُها ، فتعوضتْ عن
سماع الآياتِ ، بسماع الأبياتِ. وعن تدبُّرِ معاني التنزيلِ ، بسماع الأصواتِ.