الناسُ في سَعْيِهم مختلِفون ؛ فَمَنْ كان سعيُهُ في طلب الدنيا خَسِرت صفقتُه ، ومن كان سعيُهُ في طَلَبِ الجنة ربحت صفقته ، ومن كان سعيُهُ في رياضة نَفْسِه وصل إلى رضوان الله ، ومَنْ كان سعيُه في الإرادة شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَه ثم هداه إلى نَفْسِه.
وأمَّا المُذْنِبُ - فإِذا كان سعيُهُ في طلب غفرانه ، ونَدَمِ القلبِ على ما اسودَّ من ديوانه ، فسوف يجد من الله الثوابَ والقربة والكرامة والزلفة.
ومَنْ كان سَعْيُه في عَدِّ أنفاسِه مع الله ؛ لا يُعَرِّج على تقصير ، ولا يُفَرِّط في مأمور فسيرى جزاءَ سَعْيهِ مشكوراً في الدنيا والآخرة ، ثم يشكره بأَنْ يُخاطِبَه في ذلك المعنى بإِسماعهِ كلامَه من غير واسطة: عبدي ، سَعْيُك مشكور ، عبدي ، ذَنْبُكَ مغفور.
{ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى} : هو الجزاءُ الأكبرُ والأَجَلُّ ، جزاءٌ غير مقطوعٍ ولا ممنوعٍ.
قوله جلّ ذكره: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتُهَى} .
إليه المرجعُ والمصيرُ ، فابتداءُ الأشياءِ من الله خَلْقاً. وانتهاءُ الأشياءِ إلى الله مصيراً.
ويقال: إذا انتهى الكلامُ إلى اللَّهِ تعالى فاسْكُتُوا.
ويقال: إذا وَصَلَ العبدُ إلى معرفةِ الله فليس بعدَه شيءٌ إلا ألطافاً من مالٍ أو منالٍ أو تحقيق آمالٍ أو أحولٍ... يُجْريها على مرادِه - وهي حظوظٌ للعباد.
قوله جلّ ذكره: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} .
أراد به الضحك والبكاء المتعارَف عليهما بين الناس ؛ فهو الذي يُجْريه ويَخْلُقُه.
ويقال: أضحك الأرضَ بالنباتِ ، وأبكى السماءَ بالمطرِ.
ويقال: أضحكَ أهلَ الجنة بالجنة ، وأبكى أهل النار بالنار.
ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة وأبكاه في الدنيا ، وأضحك الكافرَ في الدنيا وأبكاه في الآخرة.
ويقال: أضحكهم في الظاهر ، وأبكاهم بقلوبهم.
ويقال: أضحك المؤمنَ في الآخرة بغفرانه ، وأبكى الكافرَ بهوانه.