نَقُولُ هِيَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الْأَمْرِ بِالتَّسْبِيحِ مِنَ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الشَّرْطَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: وَأَمَّا مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّرْطَ يُفِيدُ أَنَّ عِنْدَ وُجُودِهِ يَجِبُ وُجُودُ الْجَزَاءِ، وَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ النَّهَارُ مَحَلُّ الِاشْتِغَالِ وَكَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ، فَأَمَّا اللَّيْلُ فَمَحَلُّ السُّكُونِ وَالِانْقِطَاعِ فَهُوَ وَقْتُ التَّسْبِيحِ، أَوْ نَقُولُ بِالْعَكْسِ اللَّيْلُ مَحَلُّ النَّوْمِ وَالثَّبَاتِ وَالْغَفْلَةِ، فَقَالَ أَمَّا اللَّيْلُ فَلَا تَجْعَلْهُ لِلْغَفْلَةِ بَلِ اذْكُرْ فِيهِ رَبَّكَ وَنَزِّهْهُ.
الْبَحْثُ الرَّابِعُ: (مَنْ) فِي قَوْلِهِ (وَمِنَ اللَّيْلِ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ يَكُونَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ، وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ غَايَةً لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِغَلَبَةِ النَّوْمِ وَعَدَمِهَا، يُقَالُ أَنَا مِنَ اللَّيْلِ أَنْتَظِرُكَ.
ثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ أَيِ اصْرِفْ مِنَ اللَّيْلِ طَرَفًا إِلَى التَّسْبِيحِ يُقَالُ: مِنْ مَالِكِ مُنِعَ وَمِنَ اللَّيْلِ انْتَبِهْ، أَيْ بَعْضَهُ.
(وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ(41)
«فَإِنْ قِيلَ» : (اسْتَمِعْ) عَطْفٌ عَلَى (فَاصْبِرْ) (وَسَبِّحْ) وَهُوَ فِي الدُّنْيَا، وَالِاسْتِمَاعُ يَكُونُ فِي الدنيا، وما يوحى يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ لَا يُسْتَمَعُ فِي الدُّنْيَا؟
نَقُولُ لَيْسَ بِلَازِمٍ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ صَلِّ وَادْخُلِ الْجَنَّةَ أَيْ صَلِّ فِي الدُّنْيَا وَادْخُلِ الْجَنَّةَ فِي العقبى، فكذلك هاهنا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ اسْتَمِعْ بِمَعْنَى انْتَظِرْ فَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ قُلْنَا اسْتَمِعِ الصَّيْحَةَ وَهُوَ نِدَاءُ الْمُنَادِي: يَا عِظَامُ انْتَشِرِي، وَالسُّؤَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ عُلِمَ الْجَوَابُ مِنْهُ، وَجَوَابٌ آخَرُ نَقُولُهُ حِينَئِذٍ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) [الزُّمَرِ: 68] ؟