{قَالَتِ الأعراب آمَنَّا} نزلت في بني أسد بن خزيمة ، وهي قبيلة كانت تجاور المدينة أظهروا الإسلام ، وكانوا إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا ، فأكذبهم الله في قولهم آمنا وصدقهم لو قالوا أسلمنا ، وهذا على أن الإيمان هو التصديق بالقلب ، والإسلام هو الانقياد بالنطق بالشهادتين ، والعمل بالجوارح فالإسلام والإيمان في هذا الموضع متباينان في المعنى ، وقد يكونان متفقان ، وقد يكون الإسلام أعم من الإيمان فيدخل فيه الإيمان حسبما ورد في مواضع أخر {وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً} معنى لا يلتكم لا ينقصكم شيئاً من أجور أعمالكم ، وفيه لغتان يقال لات وعليه قارءة نافع {لاَ يَلِتْكُمْ} بغير همز ، ويقال: ألت وعليه قراءة أبو عمر لا يألتكم بهمزة قبل اللام ، فإن قيل: كيف يعطيهم أجور أعمالهم وقد قال: إنهم لم يؤمنوا ولا يقبل إلا من مؤمن؟ فالجواب: أن طاعة الله ورسوله تجمع صدق الإيمان وصلاح الأعمال ، فالمعنى إن رجعتم عما أنتم عليه من الإيمان بألسنتكم دون قلوبكم ، وعملتم أعملاً صالحة فإن الله لا ينقصكم منها شيئاً .
{ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} أي لم يشكوا في إيمانهم وفي ذلك تعريض بالأعراب المذكورين ، بأنهم في شك وكذلك قوله في هؤلاء: {أولئك هُمُ الصادقون} تعريض أيضاً بالأعراب إذا كذبوا في قولهم آمناً . وإنما عطف {ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ} بثم إشعاراً بثبوت إيمانهم في الأزمنة المتراخية المتطاولة {وَجَاهَدُواْ} يريد جهاد الكفار ، لأنه دليل على صحة الإيمان ويبعد أن يريد جهاد النفس والشيطان لقوله: {بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} .