كذلك فعل موسى لما رضاه اللَّه - جلَّ ذكره - بالموت فرضى، سأل ربه أن يدنيه
من الأرض المقدسة رمية بحجر، فهذه كناية عن النية، وعبارة عن إعطاء المجهود.
وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر:"من يدخل الجنة من أهل الجنة"
وذكر سؤاله السحرة بعد السحرة كل ذلك يقول له ربه - عز وجل -:"يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تَقُلْ؟"
فيقول له: يَا رَبِّ، وَمَنْ مِثْلُكَ؟ فَأَدْنِنِي"فلما انتهى إلى آخرها قيل له:"اعْدُ، فَلَكُ مَا
بَلَغَتْهُ قَدَمَاكَ وَرَأَتْهُ عَيْنَاكَ،"قال: فَيَغْدُو حَتَّى إِذَا بَلَّحَ، يَعْنِي: أَعْيَا، قَالَ: يَا رَبِّ،"
هَذَا لِي؟ وَهَذَا لِي؟ فَيُقَالُ: لَكَ مِثْلَاهُ وَأَضْعَافُهُ"فالذي بلغته رجلاه هو"
عمله وسعيه والذي رأته عيناه هو ما رآه بالعلم.
فإذا قرأت - وفقك الله - قوله: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) إلى آخر
الهيئات، فاحمد الله على عظيم ما أولى نبيك - صلى الله عليه وسلم - من الفتح المبين والفضل العظيم،
وارجُ لنفسك بحكم التبعية من الله الكريم نحو ذلك، فقد جاء أنه إذا عفا عن صاحب
ذنب عفا عمن عمل بمثل ذلك، وأشعر نفسك حسن الاقتداء وصحيح الاتباع.
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ...(4) .
السكينة: أمر من الله، وهو من قبيل الإيمان والطمأنينة إذا أنزلها على قوم سكن به تحريك
الصفات واطمأنت لذكره، ولا يزال الإيمان يضطرب حتى تنزل السكينة عليه
من الله، وكذلك صفات الباطن ما عدمت الحلم، وكذلك العلم والذكر والفكر
والفطنة ما عدمت اليقين، وقد كانت السكينة قبل ظاهرًا أمر يشار إليه.
قال الله - عز وجل - في وصف ملك طالوت:(إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ
سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ)
فنزول السكينة على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكونهم عن طلب
الانتصار، ورضاهم بحكم الله ورسوله في اشتراط سهيل بن عمرو عليه، وكان ذلك