رحمته، وليعلم أن من فتحه الأول ما يجعله في قلوبهم، فبقدر ما يقنعهم به من
الفتح بالعلم يكون العلم.
وضرب: منهم كان الله - جلَّ ذكره - يقرءوه وهم يتلقوه عنه، وهؤلاء أرفع
مقامًا وأحسن نديًا، وكل على خير من ربه، غير أن هذا الضرب منهم هم أحق
تحققًا في وراثة النبوة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإن الأنبياءَ لم يُورِّثُوا ديناراً ولا"
دِرْهماً، ورَّثُوا العِلْمَ، فمن أخَذَه أخَذَ بحظٍّ وافِرٍ"."
فكذلك - وفقك الله وأرشدك إليه - فاقرأ القرآن عليه بلسانك، واتله بإيمانك
وعملك وسليم عقدك، واستمع لما يوحى إليك في أثناء الخطاب، وتطلب سر
المراد، فقد قال: (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2) . قنذكر قوله - جلَّ جلالُه - وتعالى
علاؤه وشأنه:"أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء".
وأنت فقد علمك القرآن وأوصلك إليه، وفتح لك بابه وأذن لك في مناجاته،
فلعله قد أصابك من رحمته بحكم التبعية ألا تشقى، وارجُ مع هذا أن يجعلك
بتبعيتك ومكان وراثتك أن تستمع لما يوحى، فاعبده وأقم الصلاة لذكره، وابشر
نفسك عنه بحسن التجاور وجزيل المثوبة، واعلم أن للمؤمن جزاءً لعمله وجزاءً
لنيته وجزاءً لعلمه في ذلك.
وتذكر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين ثم قتل
الراهب فتمم المائة به، وأنه سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فأمره بالتوبة
ويسر عليه أمرها، وقال له:"اذهب إلى هذه القرية فإن فيها قومًا صالحين"ولما
أخذ في السير إليها جاءه الموت وهو في الطريق فناء بصدره، ولما تحاكم الفريقان
من الملائكة - عليهم السَّلام - فيه، وأمروا أن يقيسوا ما بين القريتين وإلى أيهما
كان أقرب فهو إلى ذلك، فقال - الله جل ثناؤه للصالحة:"تقربي"وللأخرى:
"تباعدي"ووجد إلى الصالحة أقرب بشبر.
فقياس ما بين القريتين حكم ما بين العملين ووزن لهما، وأمر الله - جلَّ ذكره -
للصالحة أن تقربي ولتلك أن تباعدي؛ جزاءً لنيته المعبر عنها بقوله:"ناء بصدره"