وقال سهل: بين فيه الهدى من الضلالة، والخير من الشر، وبين سعادة السعداء، وشقاوة الأشقياء، وقال بعضهم: المراد بالكتاب: الخط والكتابة، يقال: كتبه كتبًا وكتابًا خطه، أقسم به تعظيمًا لنعمته فيه، إذ فيه كثرة المنافع، فإن العلوم إنما تكاملت بسبب الخط والكتابة، فالمتقدم إذا استنبط علمًا وأثبته في كتاب، وجاء المتأخر وزاد عليه، تكاثرت به الفوائد، يقول الفقير: لعل السبب في حمل الآية على هذا المعنى الغير الظاهر، لزوم اتحاد المقسم به والمقسم عليه، على تقدير حملها على القرآن، وليس بذلك، كما سيأتي،
3 -وجواب القسم قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ} ؛ أي: أقسمت لك بالكتاب المبين، إنا صيرنا ذلك الكتاب {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} بإنزاله بلغة العرب ولسانها, ولم نصيره أعجميًا بإنزاله بلغة العجم، مع كونه كلامنا وصفتنا قائمة بذاتنا، عرية عن كسوة العربية، منزهة عنها وعن توابعها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ؛ أي: لكي تفهموا القرآن العربي، وتحيطوا بما فيه من النظم الرائق، والمعنى الفائق، ولتقفوا على ما تضمنه من الشواهد الناطقة بخروجه عن طوق البشر، وتعرفوا حق النعمة في ذلك، وتنقطع أعذاركم بالكلية،
إذ لو أنزلناه بغير لغة العرب ما فهمتموه، فلعل هنا مستعارة لمعنى كي، وهو التعليل، وسببية ما قبلها لما بعدها, لكون حقيقة الترجي والتوقع ممتنعة في حقه تعالى. لكونها مختصة بمن لا يعلم عواقب الأمور.
وحاصل معناها: الدلالة على أن الملابسة بالأول لأجل إرادة الثاني، من شبه الإرادة بالترجي، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} في موضع النصب على المفعول له، وإنما سمي {قُرْآنًا} ؛ لأنه جعل بعض سوره مقرونًا بآخر.
فَإِنْ قُلْتَ: إن قوله: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} يدل على أن القرآن مجعول، والمجعول مخلوق، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -:"القرآن كلام الله غير مخلوق".