مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ أي: عمل الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتوفيق في عمله، أو التضعيف في إحسانه، أو بأن ينال به الدنيا والآخرة. قال ابن كثير: أي: نقوّيه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا أي: من كان عمله للدنيا، ولم يؤمن بالآخرة نُؤْتِهِ مِنْها أي: نؤته شيئا منها، وهو رزقه الذي قسمه له لا ما يريده ويبتغيه. قال ابن كثير: (أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همّ البتة بالكلية حرمه الله الآخرة، وأما الدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصّل لا هذه ولا هذه، وفاز الساعي بهذه النّيّة بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة) ومن ثمّ قال تعالى عن هذا الطالب للدنيا: وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أي: هو محروم بالكلية من نعيمها بل هو معذّب فيها.
كلمة في السياق: [الآيتين (19، 20) حول الصلة بين الفقرتين الأولى والثانية]
(بيّنت الفقرة الأولى من المجموعة الثانية أن الحق والعدل كائنان في الكتاب الذي أنزله الله، وبيّن ما مرّ من الفقرة الثانية أنّه - عزّ وجلّ - هو اللطيف بعباده، الرزاق القوي العزيز، ومن ثم فعلى الإنسان أن يعمل للآخرة، وألا يعمل للدنيا معترضا عن الآخرة، ظنا منه أنه بذلك يحصّل رزقا، أو اعتقادا منه أن العمل للآخرة يمنع عنه رزقا. كيف والله لطيف، والله هو الرزاق، والله قوي عزيز. وإذ بيّن الله - عزّ وجلّ - ميزة كتابه الذي فيه شرعه، وبيّن ضرورة العمل به، وخطأ الانحراف عنه، فإنه فيما يأتي من الفقرة الثانية يناقش زعمين وقضيتين، قضية السير في شرع غير شرعه، وقضية اتهام رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالكذب عليه، وكل من القضيتين يبدأ مناقشتها بكلمة أَمْ.
القضية الأولى: [مناقشة قضية السير في شرع غير شرع الله بمناسبة الآيات (21 - 23) ]