ويضعف هذا الرأى أن مشاهير الأُمم السابقة قد أصابهم عذاب الاستئصال من غير إنظار وإمهال، وأن مساق النظم الكريم لبيان أحوال هذه الأُمة، وإنما ذكر من ذكر من الأَنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لتحقيق أن ما شرع لهؤلاء المكذبين دين قديم أَجمع عليه أولئك الأعلام تأْكيدا لوجوب إقامته، وتشديدا للزجر عن التفرق والاختلاف فيه، ومهما يكن القول في التفرق فإنه لم يكن صادرا منهم عن حقيقة، ولا قائما على رأْي، وإنما كان بغيا وظلما وعداوة وحسدا نابعًا من طلب الدنيا والحرص على الرياسة {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} أي: ولولا قضاء قضى به الله , وَعِدَة سبقت منه - جل شأْنه - بتأخير العقوبة (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) أي: لوقع العقاب باستئصال المبطلين منهم، لعظم ما اقترفوه واستيجاب جناياتهم لذلك.
(وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) أي: وإن المشركين الذين أُورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتبهم لفى شك من القرآن مدخل
في القلق والحيرة. ولذلك لا يؤمنون به لمحض البغي والمكابرة بعد ما علموا بحقيته كدأب أهل الكتابين.
{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) }
المفردات:
(وَاسْتَقِمْ) : واستمر على المنهج المستقيم ودم عليه.
(أَهْوَاءَهُمْ) : ميولهم الفاسدة.
(مِنْ كِتَابٍ) أَي: أي كتاب منزل من الله.
(لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) : لا محاجة ولا خصومة.
(يُحَاجُّونَ) : يجادلون ويخاصمون.
(فِي اللهِ) : في دين الله.
(دَاحِضَةٌ) : زائلة باطلة.
التفسير