وإنها لحق. وإنهم ليعلمون أنها الحق. وبينهم وبين الحق صلة فهم يعرفون.
{ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} ..
فقد أوغلوا في الضلال وأبعدوا ، فعسير أن يعودوا بعد الضلال البعيد..
وينتقل من الحديث عن الآخرة والإشفاق منها أو الاستهتار بها ، إلى الحديث عن الرزق الذي يتفضل الله به على عباده:
{الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز} ..
وتبدو المناسبة بعيدة في ظاهر الأمر بين هذه الحقيقة وتلك.
ولكن الصلة تبدو وثيقة عند قراءة الآية التالية:
{من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب} ..
فالله لطيف بعباده يرزق من يشاء. يرزق الصالح والطالح ، والمؤمن والكافر. فهؤلاء البشر أعجز من أن يرزقوا أنفسهم شيئاً ؛ وقد وهبهم الله الحياة ، وكفل لهم أسبابها الأولية ؛ ولو منع رزقه عن الكافر والفاسق والطالح ما استطاعوا أن يرزقوا أنفسهم ولماتوا جوعاً وعرياً وعطشاً ، وعجزاً عن أسباب الحياة الأولى ، ولما تحققت حكمة الله من إحيائهم وإعطائهم الفرصة ليعملوا في الحياة الدنيا ما يحسب لهم في الآخرة أو عليهم. ومن ثم أخرج الرزق من دائرة الصلاح والطلاح ، والإيمان والكفر ، وعلقه بأسبابه الموصولة بأوضاع الحياة العامة واستعدادات الأفراد الخاصة. وجعله فتنة وابتلاء. يجزي عليهما الناس يوم الجزاء.