تنبيهان:
الأول - تفسير العدل بما ذكرناه ، لأنه الذي يقتضيه سياق الكلام لاسيما والسورة مكية ، ولم يكن مظهره صلوات الله عليه بها فصل الخصومات والقضاء في الحكومات . نعم من ذهب إلى ذلك فإنما وقف مع عمومها . ومنه قول قتادة: أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعدل حتى مات . والعدل ميزان الله في الأرض ، به يأخذ للمظلوم من الظالم ، وللضعيف من الشديد ، وبالعدل يصدق الله الصادق ، ويكذب الكذاب ، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه .
الثاني - قال ابن كثير: اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات . كل منها منفصلة عن التي قبلها . حكم برأسها . قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي . فإنها أيضاً عشرة فصول كهذه . انتهى .
{وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ} أي: يخاصمون في دينه الذي ابتعث به خاتم أنبيائه, وهم الذين أورثوا الكتاب ، المذكورون قبلُ ، ليصدوا عن الهدى طمعاً في عود الجاهلية: {مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ} أي: استجاب له الناس ؛ أي: بالاستسلام والانقياد لدينه حسبما قادهم إليه العقل السليم ، والنظر الصحيح ، وسيرة الداعي ، وهديه ، وحسن دعوته ، وتصديق الكتب المنزلة له ، وسلامة الفطرة: {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} أي: زائلة لأنها في باطل . والباطل لا بقاء له مع قوة الحق: {عِندَ رَبِّهِمْ} أي: في حكمه وقضائه وتقديره . قال أبو السعود: وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة ، مجاراة معهم على زعمهم الباطل: {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} أي: عظيم ، لمكابرتهم الحق بعد ظهوره: {وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وهو عذاب النار .