فترتيبه قوله: نقيض له شيطاناً ، على قوله ومن يعش عن ذكر الرحمن ، ترتيب الجزاء على الشرط يدل على أن سبب تقييضه له ، هو غفلته عن ذكر الرحمن.
ونظير ذلك قوله تعالى: {مِن شَرِّ الوسواس الخناس} [الناس: 4] لأن الوسواس هو كثير الوسوسة ليضل بها الناس ، والخناس هو كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس ، من قولهم: خنس بالفتح يخنس بالضم إذا تأخر.
فهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن ، خناس عند ذكر الرحمن ، كما دلت عليه آية الزخرف المذكورة ، ودل عليه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 99100] لأن الذين يتولونه ، والذين هم به مشركون ، غافلون عن ذكر الرحمن ، وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم.
ومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم ، قوله تعالى: {أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} [مريم: 83] ، وقد أوضحنا الآيات الدالة على ذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين} الآية. وبينا هناك أقوال أهل العلم في معنى {تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} .
وبينا أيضاً هناك أن من الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإنس} [الأنعام: 128] أي استكثرتم من إضلال الإنس في دار الدنيا ، وقوله: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202] .
ومنها أيضاً قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان} [يس: 60] إلى قوله: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً} [يس: 62] إلى غير ذلك من الآيات.