قد بينا معناه مع شواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84] .
قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} .
لعلماء التفسير في تفسير قوله: {وَقَيَّضْنَا} عبارات يرجع بعضها ، في المعنى إلى بعض.
كقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ} أي جئناهم بهم: وأتحناهم لهم.
وكقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي هيأنا.
وقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي سلطنا.
وقول بعضهم: أي بعثنا ووكلنا.
وقول بعضهم: {وَقَيَّضْنَا} أي سببنا.
وقول بعضهم: قدرنا ونحو ذلك من العبارات ، فإن جميع تلك العبارات راجع إلى شيء واحد ، وهو أن الله تبارك وتعالى هيأ للكافرين قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى ويزينون لهم الكفر والمعاصي وقدرهم عليهم.
والقرناء: جمع قرين وهم قرناؤهم من الشياطين على التحقيق.
وقوله {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة: {وَمَا خَلْفَهُمْ} أي من أمر الآخرة ، فدعوهم إلى التكذيب به ، وإنكار البعث.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، أنه تعالى قيض للكفار قرناء من الشياطين ، يضلونهم عن الهدى ، بينه في مواضع أخر من كتابه.
وزاد في بعضها سبب تقييضهم لهم ، وأنهم مع إضلالهم لهم ، يظنون أنهم مهتدون ، وأن الكافر يوم القيامة يتمنى أن يكون بينه وبين قرينه من الشياطين بعد عظيم ، وأنه يذمه ذلك اليوم كما قال تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حتى إِذَا جَآءَنَا قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين فَبِئْسَ القرين} [الزخرف: 3638] .