وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا، وَذَلِكَ مَا يَقُوتُهُمْ مِنَ الْغِذَاءِ، وَيَصْلُحُهُمْ مِنَ الْمَعَاشِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} أَنَّهُ قَدَّرَ فِيهَا قُوتًا دُونَ قُوتٍ، بَلْ عَمَّ الْخَبَرُ عَنْ تَقْدِيرِهِ فِيهَا جَمِيعَ الْأَقْوَاتِ، وَمِمَّا يَقُوتُ أَهْلُهَا مَا لَا يَصْلُحُهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْغِذَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْمَطَرِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْبِلَادِ لِمَا خَصَّ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَمِمَّا أَخْرَجَ مِنَ الْجِبَالِ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَمِنَ الْبَحْرِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْحُلِيِّ، وَلَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ مِمَّا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَدَّرَ فِي الْأَرْضِ أَقْوَاتَ أَهْلِهَا، لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ.
وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ خَلَقِ الْأَرْضِ وَجَمِيعِ أَسْبَابِهَا وَمَنَافِعِهَا مِنَ الْأَشْجَارِ وَالْمَاءِ وَالْمَدَائِنِ وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَابِ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، أَوَّلُهُنَّ يَوْمُ الْأَحَدِ، وَآخِرُهُنَّ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَالَ خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هَذَا مَعَ الْأَوَّلِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، كَمَا تَقُولُ: تَزَوَّجْتُ أَمْسِ امْرَأَةً، وَالْيَوْمَ ثِنْتَيْنِ، وَإِحْدَاهُمَا الَّتِي تَزَوَّجْتَهَا أَمْسِ
وَقَوْلُهُ: {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: سَوَاءٌ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ مُبَلَغِ الْأَجَلِ الَّذِي خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ الْأَرْضَ، وَجَعَلَ فِيهَا الرُّوَاسِيَّ مِنْ فَوْقِهَا وَالْبَرَكَةَ، وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَاتَ بِأَهْلِهَا، وَجَدَهُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ لَا يُزَدْنَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصْنَ مِنْهُ.