أراد المفسرون تقريب هذا المعنى، فقالوا: المراد الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر، فجعلوا على بمعنى مع، وفرْقٌ بين كلمة من حرفين، وكلمة من ثلاثة أحرف، ولا يعدل القرآن الكريم عن الحرفين ويختار الثلاثة إلا لملحظ يحتاجه المعنى، فما هو؟ قالوا: معنى (مع الكبر) أي: مظنة ألاَّ ينجب، لكن مراد الله تعالى فوق هذه المظنة، يعني:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ .. } [إبراهيم: 39] لا مع الكبر.
كذلك في قصة سيدنا زكريا عليه السلام قال:
{أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذلك قَالَ رَبُّكَ} [مريم: 8 - 9] .
إذن: فمعنى
{عَلَى الْكِبَرِ} [إبراهيم: 39] أن الكبر كان يقتضي عدم الإنجاب لكن مراد الله أعلى من الكبر وفوقه. ونفهم هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى:
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6] البعض قال: يعني مع ظلمهم، وهذا لا يصح بل على ظلمهم كما أرادها الحق سبحانه، لأن الظلم يقتضي العقاب، لكن تأتي مغفرة الله وتعلو على الظلم، وعلى قانون مجازاة الظالم بظلمه.
وقوله: {نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} [غافر: 66] نهي لأنه مُحبّ له، فقال له: وجَّه عبادتك لمن يقدر أنْ يفعل لك، وهذا النصح لا يكون إلا من مُحب كما تنصح صاحبك وتدلّه على الخير، ولولا حبك إياه ما نصحته.
وقوله: {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 66] أسلم قيادي وزمام حركتي في الحياة لربي أفعل ما أمر بفعله، وأنتهي عما نهاني عنه، أمر سكت عنه ولم يقل لي فيه: افعل ولا تفعل فأدخله في مقام المباح، ولو كان أمراً النفس العادية تنفر منه.
وحتى إنْ حكم عليك حكماً ترى فيه مشقة ظاهرية على نفسك فاعلم أنه يريد لك الخير من حيث لا تدري، كما قلنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وتعلمون أن سيدنا إبراهيم ابتلاه ربه بأمور كثيرة كلها مشقة:
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] ولما أتمهن
{قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}