والثاني: أن تكون الآية نزلت في مقرين بخلق الناس منكرين بخلق السماوات والأرض؛ يقول: إن خلق السماوات والأرض وإمساكها في الهواء بلا تعليق من الأعلى ولا عماد من الأسفل، مع غلظها وكثافتها أكبر وأعظم في الدلالة على حدثها وخلقها من خلق الناس؛ لأن خلق الناس إنما يكون بالتغير والتولد من حال إلى الحال الأخرى، فيجوز أن يتوهم كون ذلك وافتراقه ثم اجتماعه من بعد وظهور ذلك منه، وأمَّا السماء فهي على حالة واحدة فلا [يتمكن] توهم ذلك لما ذكرنا.
ويحتمل أن تكون الآية في نازلة كانت وسبب، لسنا نحن نعرف ذلك، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ(58)
قَالَ بَعْضُهُمْ: لا يستوي من عمي من توحيد اللَّه وشكر نعمه ومن أبصر وحدانية اللَّه وقام بشكر نعمه، كما لم يستو عندكم من جهل حق آخر وكفر نعمه وإحسانه ومن عرف حقه وقبل إحسانه وقام بشكره، فإذا عرفتم أنه لا استواء بين هذين عندكم، فاعرفوا أنه لا يستوي من عمي عن وحدانية اللَّه وشكر نعمه ومن أبصر وحدانيته وقام بشكره، وكذلك ما ذكر من قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ) يقول: إذا عرفتم أنه لا يستوي من آمن باللَّه وصدق خبره وأحسن إليه ومن كذبه وأساء إليه؛ فعلى ذلك لا يستوي من آمن باللَّه وصدقه وقابل إحسانه بالشكر ومن كذبه وكفره نعمه وإحسانه.