ومعنى الآية: أي واذكر أيها الرسول لقومك وقت حجاج أهل النار وتخاصمهم وهم في النار، فيقول الأتباع للقادة السادة: إنا أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، فتكبرتم على الناس بنا، فهل تقدرون أن تحملوا عنا قسطًا من العذاب فتخففوه عنا؟ فقد كنا نسارع إلى محبتكم في الدنيا، ومن قبلكم جاءنا العذاب، ولولا أنتم .. لكنا مؤمنين، ومقصدهم من هذا المقال: تخجيلهم وإيلام قلوبهم، وإلا فهم يعلمون أنهم لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، فرد عليهم أولىك الرؤساء بما حكاه الله عنهم بقوله: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} الخ؛ أي: قال: رؤساؤهم الذي أبو الانقياد للأنبياء: إنا جميعًا واقعون في العذاب، فلو قدرنا على إزالته عن أنفسنا .. لدفعناه عنكم.
وخلاصة مقالهم: إنا وأنتم في العذاب سواء.
{إِنَّ اللهَ} سبحانه وتعالى {قَدْ حَكَمَ} وقضى {بَيْنَ الْعِبَادِ} بماهية كل أحد، فأدخل المؤمنين الجنة على تفاوتهم في الدركات، والكافرين النار على طبقاتهم في الدرجات، ولا معقب لحكمه؛ أي: حكم بينهم بفصل قضائه، فلا يؤاخذ أحدًا بذنب غيره، وكل منا كافر وكل منا يستحق العقاب، ولا يغني أحد عن أحد شيئًا.
49 -ولما يئس الأتباع من المتبوعين .. رجعوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء، كما حكى الله عنهم بقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ في النَّارِ} من الضعفاء والمستكبرين جميعًا لما ذاقوا شدة العذاب، وضاقت حيلهم. {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} ؛ أي: للقوام بتعذيب أهل النار، جمع خازن من الخزن وهو: حفظ الشيء في الخزانة، ثم يعبر به عن كل حفظ، كحفظ السر ونحوه، ووضع {جَهَنَّمَ} موضع الضمير؛ للتهويل والتفظيع، وهي اسم لنار الله الموقدة: {ادْعُوا رَبَّكُمْ} شافعين لنا {يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا} ؛ أي: في مقدار يومٍ واحدٍ من أيام الدنيا {مِنَ الْعَذَابِ} ؛ أي: شيئًا منه، فقوله: {يَوْمًا} : ظرف لـ {يُخَفِّفْ} ومفعوله: محذوف و {مِنَ الْعَذَابِ} : بيان لذلك المحذوف، واقتصارهم في الاستدعاء على تخفيف قدر يسير من العذاب في مقدار قصير من الزمان دون رفعه رأسًا، أو تخفيف قدر كثير منه في زمان مديد لعلمهم بعدم كونه في حيز الإمكان.