ثم أن الرجل احتاط لنفسه خشية أني عرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به فتلطف في الاحتجاج فقال: {وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله {وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ} فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم به أو يعدكموه ، وفيه مبالغة في التحذير فإنه إذا حذرهم من إصابة البعض أفاد أنه مهلك مخوف فما بال الكل وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذا قدم احتمال كونه كاذباً ، وقيل: المراد يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم ، وقيل: بعض بمعنى كل وأنشدوا لذلك قول عمرو القطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته...
وقد يكون مع المستعجل الزلل
وذهب الزجاج إلى أن {بَعْضُ} فيه على ظاهره ، والمراد إلزام الحجة وإبانة فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعن فالبيت كالآية على الوجه الأول ، وأنشدوا لمجيء بعض بمعنى كل قول الشاعر:
إن الأمور إذا الأحداث دبرها...
دون الشيوخ ترى في بعضها خللاً
ولا يتعين فيه فيه ذلك كما لا يخفى ، وعن أبي عبيدة أنه فسر البعض بالكل أيضاً وأنشد قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها...
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
حمل البيت على معنى لا أزال أنتقل في البلاد إلى أن لا يبقى أحد أقصده من العباد ، والمحققون على أن البعض فيه على ظاهره والمراد به نفسه ، والمعنى لا أزال أترك ما لم أرضه من الأمكنة إلا أن أموت ، وقال الزمخشري: إن صحت الرواية عن أبي عبيدة في ذلك فقد حق فيه قول المازني في مسألة العلقي كان أجفى من أن يفقه ما أقول له ، وفيه مبالغة في الرد {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} احتجاج آخر ذو وجهين.
أحدهما أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله تعالى إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات.