والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألاَّ يفلت منهم أحدٌ، حتى أن رجاله كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار.
وقد أظهر هذا الموقف غباءه من ناحيتين، أولاً: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: إن زوال مُلْكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن إليه ويأخذه ويُربِّيه على عينه ويغفل عما يُراد به.
وهذا الموقف يوضحه قوله تعالى:
{وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ..} [الأنفال: 24] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء.
وقوله: {وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْ ..} [غافر: 25] أي: اقتلوا الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم مَنْ يزول مُلْك فرعون على يديه، أمَّا النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال.
وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي يكُنَّ معهم في مصير واحد، فإنِ انتصروا عادوا سالمين، وإنْ قُتِلوا قُتِلوا جميعاً حتى لا يبقى النساء بعدهم للأَسْر والسَّبي والإذلال.
{وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} [غافر: 25] نعم كان هذا كيداً من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل ردَّ الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}
قول فرعون {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ..} [غافر: 26] يعني: اتركوني أقتله (سيبوني عليه) دَلَّ على وجود تيار من القوم يمنع فرعون من قَتْل موسى، وإلا لما قال (ذَرُوني) فمَنْ هؤلاء؟ ربما كانوا من أتباع فرعون المؤمنين بصدق موسى، وبما جاء به، فأحبُّوا أنْ يدافعوا عنه بطريقة لا تثير شكَّ فرعون، فاحتالوا عليه.
وهذا دليل على أن أصحاب الخير يجوز لهم أنْ يحتالوا على أهل الشر لنصرة الخير وأن الله يعينهم. جاء هؤلاء وقالوا لفرعون: إنْ قتلتَ موسى سيقول الناس أنه على حق، وأنك لم تقدر على رَدِّ حجته فقتلته لتستريح منه، وعندها سيقفون ضدك.