واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس ، فلهذا عقب الله تعالى هذه الصفة بصفتين أخريين ، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات. أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله {ذو العرش} إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام ، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله {يلقي الروح} أي الوحي {من أمره} أي من عالم أمره {على من يشاء من عباده} وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل. وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله {لينذر يوم التلاق} ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه ، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً} [الفرقان: 25] ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله. وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم ، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا. وقوله {يوم هم بارزون} بدل من الأول. ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله {وبرزوا لله الواحد القهار} [الآية: 48] وقوله {لا يخفى على الله منهم شيء} تأكيد لذلك وهذا ، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون} فهو نظير قوله {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 3] ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار} ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب. فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السماوات ومن في الأرض يقول الرب تعالى: لمن الملك اليوم؟