والخلاصة: أن مقت الله لأهل الضلال حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه، وأبو أن يقبلوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذابه يوم القيامة. قاله قتادة ومجاهد والحسن البصري وابن جرير.
11 -ثم ذكر ما يقولونه حين ينادون بهذا النداء، فقال: {قَالُوا} ؛ أي: قالت الكفرة حين خوطبوا بهذا الخطاب: {رَبَّنَا} ؛ أي: يا ربنا ويا مالك أمرنا {أَمَتَنَا} إماتتين {اثْنَتَيْنِ} ؛ أي: جعلتنا نطفًا لا حياة لنا في أصلاب آبائنا، وجعلتنا أمواتًا بانقضاء آجالنا {وَأَحْيَيْتَنَا} إحياءَتين {اثْنَتَيْنِ} ؛ أي: إحياءةً بنفخ الروح فينا في بطن أمهاتنا، وإحياءةً بالبعث من قبورنا، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} . ووجه هذا القول: أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، ولا يلزم منه أن لا عذاب في القبر، ولا حياة ولا موت، فإنهم إنما لم يذكروها؛ لأن حياة القبر ليست كحياة الدنيا، ولا كحياة الآخرة، كما في"الأسئلة المقحمة". وقد ذهب إلى هذا المعنى جمهور السلف.
وقيل المعنى: أمتنا إماتتين اثنتين: مرةً بقبض أرواحنا، ومرةً بعدما سألنا منكر ونكير في القبور، وأحيَيتنا إحياءَتين اثنتين مرة عند سؤال منكر ونكير في القبور ومرةً عند البعث، وهذا أنسب بحالهم، فإنَّ مقصودهم تعديد أوقات البلاء، وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات المحنة؛ فأما الحياة في الدنيا، فليست من أقسام أوقات البلاء، فلهذا السبب لم يذكروها.
وقال ابن زيد: المراد بالآية: أنهم خلقهم في ظهر آدم، واستخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم.