ومن دعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة قولهم: ربنا وأدخل الذين رجعوا عن ذنوبهم واتبعوا سبيلك، جنات عَدْن يقيمون بها هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم وتجاوز عن تقصير بعضهم حتى يلحقوا في الدرجة من هم أعلى منهم من آل بيتهم، لتقر أعينهم وتستريح نفوسهم، إنك أنت العزيز الذي تنفذ مشيئته ولا ترد كلمته، الحكيم في أقواله وأفعاله، وحكمه وقضائه، وجَنِّبهم جزاء السيئات ووبالها، وما تجنبه جزاءها يوم القيامة فقد رحمته، حيث لطفت به فنجيته من عقوبتها وذلك هو الفوز العظيم الذي لا غاية وراءه.
قال سعيد بن جبير: إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل، فيقول: إني إنما عملت لي ولهم، فيلحقون به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} .
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) }
شروع في بيان أحوال الكفرة أهل النار، إثر بيان أحوال المؤمنين أهل الجنة، فالأمور تتميز بضدها فضل يتميز.
وقد دلت الآية على أن الكافرين يمقتون أنفسهم ويبغضونها، وذلك حينما يعلمون أنهم أصحاب النار.
وقيل: إنهم يمقتونها حين يقول لهم الشيطان: {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وقيل: حين دخولهم النار.
ونحن نقول: إنه لا مانع من أن يمقتوا أنفسهم في ذلك كله. والذين ينادونهم هم خزنة النار، وقيل: هم المؤمنون ليضاعفوا حسرتهم.
ومعنى الآية: إن الذين كفروا بالله ورسله، ينادون حين يمقتون أنفسهم لتسببها في عذابهم - ينادون - حينئذ من الملائكة أو من المؤمنين: لَبُغْضُ الله لكم أشد من بغضكم لأنفسكم، حين تدعون من أنبيائكم إلى الإيمان فتكفرون، مع وضوح الحجة وسطوع البرهان، فحق عقابكم لبغض الله لكم بسبب كفركم.