وقد أعطانا القرآن الكريم نموذجاً للتحدي حينما تحدّى العرب وهم أهْلُ اللغة وأرباب الفصاحة والبيان، تحدَّاهم أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن، وحين نتأمل هذا التحدي نجده يتدرج تنأزلياً، وكلما تنازل في تحدّيه يعلو في إعجازه، لأنه لأول ما تحدَّاهم تحدَّاهم بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة من مثله.
ليس هذا وفقط، إنما يُخرِج التحدي من الإنس إلى الجن؛ لأن العرب وإنْ كانوا أمة كلام وفصاحة إلا أنهم نسبوا للجن قدرةً أعلى على الفصاحة والبلاغة، بدليل أنهم إذا نبغ منهم شاعر وأجاد قالوا: إن الجن يُوحى إليه بهذه المعاني، واعتقدوا أن هذا الجن يسكن وادي عبقر كما يقولون.
لذلك أخرج القرآن التحدِّي من دائرة الإنس إلى دائرة الجن، فقال سبحانه:
{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88] أي: معيناً ومساعداً.
لذلك كانت معجزة سيدنا موسى عليه السلام نوعاً من السحر، لأن قومه نبغوا فيه، وكانت معجزة سيدنا عيسى أنْ يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، لأن قومه نبغوا في الطب.
وكلمة {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} [الزمر: 51] أي: في الهرب والإفلات من العقوبة، لأنهم فعلوا أشياء تستحق العقوبة، فإذا أخذناهم للعقاب فلن يُعجزونا. يعني: لن يفلتوا منا؛ لأن المسألة بالنسبة لنا قد يكون غريمك في يدك وفي نفس مكانك، وقد يهرب منك إلى مكان آخر، لكن بالنسبة للحق سبحانه فهو في كل مكان، وإلا فدلَّني على مكان ليس فيه الله سبحانه وتعالى، إذن: كيف الهرب؟ وإلى أين؟! فإنْ تواجدتم معه فلن يعجز عنكم، وإنْ هربتم فلن يعجز عن الإتيان بكم.
{أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
لأن قارون اغترَّ بماله وجاهه، وما كان فيه من غنى وزَهْوة في قومه، حتى قال
{قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيا} [القصص: 78] فأراد الحق سبحانه أنْ يُصحح له المسألة ولمَنْ كان على شاكلته، فقال سبحانه: {أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [الزمر: 52] يبسط يعني: يُوسِّع على مَنْ يشاء، ويقدر يعني: يُضيق على مَنْ يشاء ويقبض، وكما نقول: يعطي مَنْ لا حيلَةَ له ليتعجب مَنْ له حيلة.