وتركيز ضمير الغائب في قوله: {أوتيته} عائد إلى {نِعْمَة} على تأويل حكاية مقالتهم بأنها صادرة منهم في حال حضور ما بين أيديهم من أنواع النعم فهو من عود الضمير إلى ذات مشاهدة ، فالضمير بمنزلة اسم الإِشارة كقوله تعالى: {بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم} [الأحقاف: 24] .
ومعنى قال إنما أوتيته على علم اعتقَد ذلك فجرى في أقواله إذ القولُ على وفق الاعتقاد.
و {عَلى} للتعليل ، أي لأجل عِلمٍ ، أي بسبب علم.
وخولف بين هذه الآية وبين آية سورة [القصص: 78] في قوله: {على علم عندي} فلم يذكر هنا عندي لأن المراد بالعلم هنا مجرد الفطْنة والتدبير ، وأريد هنالك علم صَوغ الذهب والفضة والكيمياء التي اكتسب بها قارون من معرفة تدابيرها مالاً عظيماً ، وهو علم خاص به ، وأما مَا هنا فهو العلم الذي يوجد في جميع أهل الرأي والتدبير
والمراد: العِلم بطرق الكسب ودفع الضرّ كمثل حِيَل النوتيّ في هول البحر.
والمعنى: أنه يقول ذلك إذا ذكَّره بنعمة الله عليه الرسولُ أو أحدُ المؤمنين ، وبذلك يظهر موقع صيغة الحصر لأنه قصد قلب كلام من يقول له إن ذلك من رحمة الله به.
وبل للإِضراب الإِبطالي وهو إبطال لزعمهم أنهم أوتوا ذلك بسبب علمهم وتدبيرهم ، أي بل إن الرحمة التي أوتوها إنما آتاهم الله إياها ليظهر للأمم مقدار شكرهم ، أي هي دالّة على حالة فيهم تشبه حالة الاختبار لمقدار علمهم بالله وشكرهم إياه لأن الرحمة والنعمة بها أثر في المنع عليه إمّا شاكراً وإمّا كفوراً والله عالم بهم وغنيّ عن اختبارهم.