والجواب عنه، والله أعلم: أنه إنما ورد تتمة لما تقدمه من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر:47) ، فقوله: (مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) يتناول ما قدموه من سيئ أعمالهم غافلين عنه وناسين إياه، كان مما قصدوه فيه أنفسهم أو دون ذلك فقد حمل من هذا مع بعده ما تحصل من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) ، وكان قوله مع ذلك: (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا) كالتتمة المؤكدة ومتناولاً ما قصدوه وأعملوا أنفسهم
فيه، حصل من مجموع ذلك المكتسب وغير المكتسب، فلا فرق بين آية الزمر وآية الجاثية.
ولو قيل في آية الزمر: (ماعملوا) لكان تكراراً لأن ذلك حاصل مما قبلها، ولو قيل في آية الجاثية (ماكسبوا) لما كان وافياً بما بينا قبل أنه مقصود الكلام، فتبين خصوص كل من الواردين بموضعه، وأن عكس الوارد لا يمكن.
فإن قلت: ما الوجه هنا من قوله: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر:47) ؟ تلك هي نكرة موصوفة كقولهم: مررت بما معجب لك. وإذ ذاك يحرز ما تقرر من المعنى بإبهامها، كما أن ما الاستفهامية حيث يقصد الإبهام تعظيماً للأمر وتفخيماً كقوله تعالى: (الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ) (الحاقة:1 - 2) وقوله: (الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ) (القارعة:1 - 2) تحرز لإبهامها من عظيم أمر الحاقة والقارعة ما لايفي به الوصف، والإبهام مقصود في التعظيم والتفخيم للأمر المعبّر بها عنه.
فإن قلت: إن (ما) يقل وقوعها نكرة موصوفة، قلت: بل هي حيث يقصد بها هذا المعنى موجودة في كثير من كلامهم وإن كانت الموصولة أكثر منها، إلا أن الموصولة لا تحرز ما ذكرنا من المعنى إحرازها.