وبقوله: {وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَآؤُنَا} [ص: 37 - 39] ، يشير إلى أن الإنسان إذا كمل في إنسانيته يصير قابلاً للفيض الإلهي بلا واسطة، فيعطيه الله من آثار الفيض تسخير ما في السماوات من الملائكة، كما سخر لآدم بقوله: {اسْجُدُوا لأَدَمَ} [البقرة: 34] وما في الأرض، كما سخر لسليمان الجن والإنس والشياطين والوحوش والطيور؛ وذلك لأن كل ما في السماوات وفي الأرض أجزاء وجود الإنسان الكامل، فإذا أنعم الله عليه بفيض سخر له أجزاء وجوده في المعنى، أما في الصورة فيظهر على بعض الأنبياء تسخير بعضها إعجازاً له، كما أظهر على نبينا صلى الله عليه وسلم تسخير القمر عند انشقاقه بإشارة إصبعه؛ ولهذا قال: {هَذَا عَطَآؤُنَا} [ص: 39] ، وبقوله: {فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ، يشير إلى أن الأنبياء بتأييد الفيض الإلهي ولاية إفاضته الفيض على من هو أهله عند استفاضته، ولهم إمساك الفيض عند عدم الاستفاضة من غير أهله، ولا حرج عليهم في الحالتين.
{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى} [ص: 40] في الإفاضة والإمساك، {وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] ؛ لأنه كان متقرباً إلينا بالعطاء والنعم.
ثم أخبر عن رعاية العبودية وعناية الربوبية بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] ، يشير إلى معانٍ مختلفة:
منها: إن من شرط عبودية خواص عبادنا من الأنبياء والأولياء الصبر عند نزول البلاء، والرضاء بجريان أحكام القضاء.
ومنها: ليعلم أن الله تعالى لو سلط الشيطان على بعض أنبيائه أو أوليائه لا يكون لإهانتهم؛ بل يكون لعزتهم وإعانتهم على البلوغ إلى رتبة نعم العبدية، ودرجة الصابرين المحبوبين.