قوله تعالى {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} هذه الفتنة أيضا فتنة العشق التي ظهرت له من محبته بنت الملك وهكذا كل فتنة لو تراها بالحقيقة ما ولدت إلا من العشق شغف في محبتها بحسنها وجمالها فغار عليه الحق واسقطه من منازل الملك حتى غرّبه في القفار والبوادى وانساه ذكرها غيرة عليه حتى لا يبقى في قلبه غيرة واجلس مكانه في الملك صخرا حتى افسد في الأرض فتلطف عليه الحق وارجعه إلى مكانه ومكانته فسال الحق تمكينه في الملك والمملكة {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً} سال المغفرة فيما قصّر في واجب المعرفة وحقيقتها التي يوجب انفراد القلب عن غير جمال الحق من العرش إلى الثرى ثم سال ملك تمكينه في ذلك المقام وسال أن لا يحتجب بالملك عن المالك ولا يجرى عليه بعد ذلك الامتحان ولا يسلط عليه جنود المكر والقهر حتى لا يحتجب بنفسه عن نفسه وقوله {لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِي} ليس هذا من البخل هذا شفقة على المقصرين لو كانوا مبتلين بذلك الملك ليكونوا محتجبين به عنه وأيضا يبلغ السّالك في المعرفة والمحبة إلى أن لا يطيق أن يرى غير نفسه مقام المشاهدة قال ابن عطا مكنّى من مخالفة نفسي حتى اوافقها بحال وقال بعضهم هب لي ملكا أي المعرفة بك حتى لا ارى معك غيرك ولا تشغلنى كثرة عروض الدنيا عنك قال الجنيد هب لي ملكاً ثم رجع ونظر فيما سال فقال لا ينبغى لاحد من بعدى أن يسال الملك فإنه يشغل عن المالك وقال ابن عطا ساله ملك الدنيا لينظر كيف صبره من الدنيا مع القدرة عليها وقال ابن زانيا أولا استغفر ثم سال الملك اعلم بذلك أن الملك لا يخلو من الفتن ظاهراً وباطنا فجعل أول سواله الاستغفار.