وقرأ الجمهور: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} بنصبهما، أما الأول فمقسم به، حذف منه الحرف كقولهم: أمانة الله لأقومن، والمقسم عليه {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} {وَالْحَقَ أَقُولُ} اعتراض بين القسم وجوابه، أو هما منصوبان على الإغراء؛ أي: إلزموا الحق، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني بالابتداء، والخبر الجملة المذكورة بعده، والرابط محذوف، وقرأ ابن السميفع، وطلحة بن مصرف، والحسن، وعيسى، وعبد الرحمن ابن أبي حماد، عن أبي بكر بجرهما. ويخرّج على أن الأول، مجرور بواو القسم، محذوفة، تقديره: فوالحق، و {الْحَقَّ} معطوف عليه، كما تقول: والله والله لأقومن {أَقُولُ} اعتراض بين القسم وجوابه، وقرأ مجاهد، والأعمش بخلاف عنهما، وأبان بن تغلب، وطلحة في رواية، وحمزة، وعاصم عن المفضل، وخلف وعيسى: برفع الأول، ونصب الثاني. وتقدم إعرابهما.
وخلاصة هذه القصة: أن الله سبحانه، أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه السلام، أنه سيخلق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم بالسجود له، متى فرغ من خلقه، وتسويته إجلالًا وإعظامًا له. فامتثل الملائكة كلهم ذلك، إلا إبليس، فلم يكن منهم جنسًا، بل كان من الجن، فخانه طبعه، فاستنكف عن السجود له، وخاصم ربه، وادعى أنه خير من آدم؛ لأنه مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين، والنار خير من الطين في زعمه، وقد خالف بذلك أمر ربه، فكفر به، فأبعده وطرده من باب رحمته وحضرة قدسه، مذمومًا مدحورًا، فسأل النظرة إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه، فلما أمن الهلاك إلى يوم القيامة، تمرد وطغى، وقال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } . فقال تعالى: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) } .