وقد رأينا كيف أن مقدّمة سورة (ص) أرتنا كيف أن الكافرين لا ينفع معهم الإنذار، كما رأينا كيف أن المقطع الأول أعطى دروسا للنذير من خلال الأمر بالصبر والذكر، ثم رأينا كيف أن المقطع الثاني أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يقول المعاني الأخيرة الفاصلة القاطعة التي تقيم الحجج النهائية على الكافرين، وقد رأينا كيف أن عدم انتفاع الكافرين بالإنذار قد عرض في السورة بما تقوم به الحجة على الكافرين قياما كاملا، من خلال ذكر خصائص القرآن، وخصائص الرسول عليه الصلاة والسلام.
وسورة (ص) والصافات عالجت كل منهما معاني رئيسية لمحور محدد، ولكن كون السورتين عالجتا مقدمة سورة البقرة فإنك تجد تداخلا بين السورتين، بحيث تجد سورة الصافات قد تعرضت لمواقف الكافرين، وبحيث تجد سورة (ص) قد تعرّضت للكلام عن المتقين، ولكن في نفس الوقت انصبّ الكلام الرئيسي في سورة الصافات على
تفصيل معان في إطار الآيات الأربعة الأولى من سورة البقرة، وانصبّ الكلام انصبابا رئيسيا في سورة (ص) عن الآيتين اللاحقتين.
وقد رأينا من خلال عرضنا لسورة (ص) كيف يظهر التكامل بينها وبين سورة الصافات، على اعتبار أنهما تشكلان مجموعة واحدة، فكما أن التكامل قائم بين محوريهما فكذلك نرى التكامل على امتداد السورتين. فمقدمة سورة الصافات تقرر إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ ومقدمة سورة (ص) يرد فيها قوله تعالى على لسان الكافرين: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ.
وسورة (ص) تتحدّث عن اختصام الكافرين مع بعضهم في النار، وسورة الصافات تستثني عباد الله المخلصين مرات. وسورة (ص) تذكر الطريق إلى هذا الاستخلاص، وتستثنيهم من الوقوع في غواية الشيطان. وسورة الصافات تذكر المرسلين وإنذارهم ودعوتهم، وسورة (ص) تتحدّث كذلك عن الرسل. وهكذا نجد السورتين تتداخلان، وتتكاملان لتؤديا دورا واحدا في بناء قضية الإيمان والسلوك الإيماني، وفضح الكفر والسلوك الكافر.