{ولأوضعوا خلالكم} [التوبة: 47] قال بعض الطاعنين ، قوله {فاقبلوا إليه} دل على أنهم عرفوا كاسر أصنامهم. وقوله في"الأنبياء" {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم} [الآية: 62] دل على أنهم لم يعرفوا الكاسر فبينهما تناقض. وأجيب بأن هؤلاء غير أولئك فالذين عرفوه ذهبوا إليه مسرعين ، والذين لم يعرفوه بعد استخبروا عنه. على أن قوله {فأقبوا إليه} لا دلالة له على أنهم عرفوا أن الكاسر هو إبراهيم فلعلهم أقبلوا إليه لأجل السؤال عن الكاسر. وحين عاتبوه على فعله أراد أن يبين لهم فساد طريقتهم ف {قال أتبعدون ما تنحتون} وذلك أن الناحت لم يحدث فيه إلا صورة معينة فيكون معناه أن الشيء الذي لم يكن معبوداً لي صار بسبب تصرفي فيه معبوداً لي وفساد هذا معلوم بالبديهة ، احتج جمهور الأشاعرة بقوله {والله خلقكم وما تعملون} على أن العبد ليس خالق أعماله لأن المعنى خلقكم وأعمالكم. وزيف بأن"ما"موصولة لتناسب قرينتها في قوله {ما تنحتون} وليتوجه التوبيخ ولكيلا يلزم التناقض فإن النحت عملهم. والصحيح أن الآية كقوله {بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن} [الأنبياء: 56] أي فطر الأصنام: ثم إن إبراهيم لما ألقمهم الحجر بهذا القول وألزمهم عدلوا إلى طريقة الإيذاء و {قالوا ابنوا له بنياناً} قال ابن عباس: بنوا حائطاً من حجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون. وتقدير الآية: ابنوا له بنياناً واملؤه ناراً وألقوه فيها. والجحيم النار العظيمة. ومعنى الفاء في قوله {فأرادوا} كقوله {أهلكناها فجاءها بأسنا} [الأعراف: 4] كأنه قيل: فبنوا البنيان وملؤه ناراً وألقوه فنجيناه منها. وقد صح أنهم أرادوا به كيداً {فجعلناهم الأسفلين} الأذلين وأما في الأنبياء فلم يقصد هذا الترتيب فاقتصر على الواو العاطفة. وإنما اختصت هذه السورة بقوله {الأسفلين} لأنه ذكر أنهم بنوا بنياناً عالياً فكان ذكر السفل في