فلما سمع إلياس مقالتهم وقعت بقلبه ، وطمع في إيمانهم وخاف الله ، وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر ولم يجبهم بعد الذي سمع منهم ، فلمّا أجمع على أن يبرز لهم ، رجع إلى نفسه فقال:"لو أنّي دعوت الله سبحانه وتعالى وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة أمرهم"، وذلك أنّ الله سبحانه وفقه وألهمه التوقّف والدعاء والتحرز ، فقال:"اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فائذن لي في البروز إليهم ، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم".
فما استتمّ قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم أجمعين.
قال: وبلغ أجب وقومه الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء ، واحتال ثانياً في أمر إلياس ، وقيّض فئة أُخرى مثل عدد أُولئك ، أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي فأقبلوا حتى توغلوا [في] تلك الجبال . متفرقين ، وجعلوا ينادون: يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته ، إنا لسنا كالذين أتوك قبلنا ، إنّ أولئك فرقة نافقوا وخالفوا ، فصاروا إليك ليكيدوا بك من غير رأينا ولا علمنا ، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك وخرجوا إليك سراً ، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤونتهم ، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم بسوء نياتهم وانتقم دونك منهم . فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأُولى ، فأمطر عليهم النار فاحترقوا عن آخرهم.