والحكمة في تحريم (التبني) ومنعه شرعا منعا باتا أن مرتكبه يعمل على إفساد الأنساب واختلاطها، بدلا مما أمر الله به من حفظ الأنساب وصيانتها، كما يعمل على انتزاع الحقوق من أهلها وتمكين الغير منها دون حق، لأنه يجعل ولد الغير ولدا للطلب، وبذلك يصبح غير المحارم، من زوجة المتبني وأولاده الأصليين، وقرابته الأقربين، محارم لمن تبناه، وهو في الحقيقة أجنبي عنهم، يحل لهم منه ما يحل منهم لغيره، ويصبح الولد المتبنى شريكا لهم في الإرث، دون أن يكون له أدنى حق فيه، إلى غير ذلك من التعقيدات والمضاعفات التي تغير طابع الأسرة المسلمة، وتفسد نظامها من الأساس، وإذا كان الإسلام قد أقفل باب التبني ولم يأذن به لما يترتب عليه من مفاسد ومضار، فإنه فتح باب الإحسان في وجه من يريد الإحسان لأطفال المسلمين، ولو كانوا مجهولي الآباء، متى تعرض المجتمع الإسلامي لآفات اجتماعية، أو كوارث طبيعية، وذلك بتربيتهم وتعليمهم، والأخذ بيدهم في
المراحل الأولى من حياتهم، وتخصيص الهبات والوصايا لصالحهم، عندما يبلغ أحدهم أشده، وبهذه الطريقة يتم إدماجهم في المجتمع الإسلامي بصورة مشروعة، فيها نفع لهم من جهة وليس فيها ضرر على الأسرة المسلمة ولا اعتداء على حقوقها الشرعية من جهة أخرى، ويجب على من تورط في عملية التبني أن يعرف الولد المتبنى في الوقت المناسب بأنه ليس ولدا له من الصلب، وإنما هو أخ في الدين، له حق العون والإحسان، لا حقوق الأولاد الأصليين، وليكن ذلك على وجه لا يشعره بخزي ولا عار، ولا سيما إذا كان في الأمر ما ينبغي ستره من الأسرار.
وكما يحرم على الغير نسبة الابن إلى غير أبيه، فإن انتساب الشخص، من تلقاء نفسه إلى غير أبيه يكون حراما من باب أولى وأحرى، جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: انتسب، (وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام) ، ثم قال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، أي: غفورا للمتعمد إذا تاب، رحيما بالمخطئ، حيث رفع عنه إثم الخطأ.