قال ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث مِنْ الْفَوَائِد: مَشْرُوعِيَّة الْحِجَاب لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ عِيَاض: فَرْض الْحِجَاب مِمَّا اِخْتَصَصْنَ بِهِ، فَهُوَ فُرِضَ عَلَيْهِنَّ بِلَا خِلَاف فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ، فَلَا يَجُوز لَهُنَّ كَشْف ذَلِكَ فِي شَهَادَة وَلَا غَيْرهَا، وَلَا إِظْهَار شُخُوصهنَّ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَتِرَات؛ إِلَّا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَة مِنْ بِرَاز. ثُمَّ اِسْتَدَلَّ بِمَا فِي"الْمُوَطَّأ"أَنَّ حَفْصَة لمَّا تُوُفِّيَ عُمَر سَتَرَهَا النِّسَاء عَنْ أَنْ يُرَى شَخْصهَا، وَأَنَّ زَيْنَب بِنْت جَحْش جَعَلَتْ لها الْقُبَّة فَوْقَ نَعْشهَا لِيَسْتُر شَخْصهَا. وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ دَلِيل عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ فَرْض ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَقَدْ كُنَّ بَعْدَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَحْجُجْنَ وَيطُفْنَ، وَكَانَ الصَّحَابَة وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ الْحَدِيث وَهُنَّ مُسْتَتِرَات الْأَبدَانِ لَا الْأَشْخَاص.
السبب الثاني: ما روي عن عروة عن عائشة: أن أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ؛ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ. فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ليْلَةً مِنْ اللَّيَالِي عِشَاءً؛ وَكَانَتْ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ الله - عز وجل - الْحِجَابِ.