وقال صلى الله عليه وسلم: «إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله» .
وقال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة.
وخرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» .
وقيل: التواضع سلم الشرف. ولبس مطرف بن عبد الله الصوف وجلس مع المساكين، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبي كان جبارا، فأحببت أن أتواضع لربي لعله أن يخفف عن أبي تجبره.
وقال مجاهد: إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي فرفعه فوق الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.
وقال الله تعالى لموسى عليه السلام: هل تعرف لم كلمتك من بين الناس؟ قال: لا يا رب. قال: لأني رأيتك تتمرغ بين يدي في التراب تواضعا لي. وقيل: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس.
وقال أبو مسلم صاحب الذخيرة: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط، وكل من تواضع لله رفعه الله.
فسبحان من تواضع كل شيء لعز جبروت عظمته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السابع والعشرون في العُجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
اعلم أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسيان الرذائل، وحسبك من رذيلة تمنع من سماع النصح وقبول التأديب، والكبر يكسب المقت، ويمنع من التألف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جرّ ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه» .
وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه. ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه.
ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال:
وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
ورأى رجل رجلا يختال في مشيه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي.