وقد أبان الكتاب الكريم أن النصر للصابرين، فهو أثر لازم للصبر على حفظ المال وحفظ الشهوات والعقول، وكل الفضائل التي حث عليها الدين وسلك سبيلها السلف الصالح.
82 -ولما شاهد قوم قارون ما نزل به من العذاب صار ذلك زاجرًا لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى، وداعيًا إلى الرضى بقضاء الله تعالى وبما قسمه، وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبيائه ورسله، كما أشمار إلى ذلك بقوله: {وَأَصْبَحَ} ؛ أي: وصار {الَّذِينَ تَمَنَّوْا} واغتبطوا {مَكَانَهُ} ؛ أي: مثل منزلته ورتبة وجاهه، والكلام على حذف مضاف {بِالْأَمْسِ} ؛ أي: بالوقت القريب منه، وهو ظرف لتمنوا، ولم يرد بالأمس خصوص اليوم الذي قبل يومه، بل الوقت القريب، وجملة {يَقُولُونَ} خبر {أَصْبَحَ} .
{وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} و {وي} : كلمة تعجب، والكاف للتعليل؛ أي: وصار الذين تمنوا مثل رتبة قارون من الدنيا من زمان قريب يقولون منتبهين على خطئهم في تمنيهم، لما شاهدوا الخسف به؛ أي: يقول كل واحد منهم: أعجب أنا من خطئي في ذلك التمني، وأندم عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى {يَبْسُطُ الرِّزْقَ} ويوسع المال {مَنْ يَشَاءُ} البسط عليه {مِنْ عِبَادِهِ} وهو مكر منه تعالى كما كان لقارون.
{وَيَقْدِرُ} ؛ أي: يضيِّق الرزق ويقلله على من يشاء من عباده، اختبارًا منه تعالى، يقال: قدر على عياله بالتخفيف مثل قتر؛ إذا ضيَّق عليهم بالنفقة، فإن القوم لما شاهدوا ما نزل بقارون من الخسف ندموا على تمنيهم، حيث علموا أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الرجل على الله، ولا تضييقه لهوانه عنده، فالكل بمشيئة الله سبحانه وتعالى، فتعجبوا من أنفسهم كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ، و {وَيْ} اسم فعل بمعنى أعجب أنا، والكاف للتعليل، وأن حرف نصب ومصدر.
وقال أبو الحسن: {وَيْ} اسم فعل، والكاف حرف خطاب، وأن على إضمار اللام، وقيل: {وَيْ} اسم فعل، وكأن للتحقيق بمعنى قد؛ أي: أعجب أنا، وقد علمت أن كلًّا من البسط والقبض بمقتضى مشيئته تعالى، وليس البسط للكرامة، والقبض للهوان.