ذكر قصة قارون
قال أهل العلم بالأخبار والسير: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة، وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يُعلِّقوا في أرديتهم خيوطًا أربعة، في كل طرف خيطًا أخضر كلون السماء، يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء، ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرًا، فإن بني إسرائيل تستصغر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير، فإذا لم يُطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، فدعاهم موسى فقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطًا خضرًا كلون السماء، لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون، فلم يطعه، وقال: إنما فعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، فكان هذا بدء عصيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جُعلت الحبورة لهارون، وهي رئاسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بقربانهم إلى هارون، فيضعها على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فأتى إلى موسى فقال له: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال؛ أما أنا ما جعلتها لهارون، بل الله جعلها له، فقال له قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل، فقال: هاتوا عصيكم فحزمها وألقاها في قبته التي يتعبد فيها، وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال له قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل قارون موسى باتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه كل وقت، ولا يزيد إلا عتوًا وتجبرًا ومعاداة لموسى، حتى بني دارًا، وجعل لها بابًا من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، فيُطعمهم الطعام، ويحدثونه ويضاحكونه.