{تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) }
يَنْبَغِي للْعَبد الْمُؤمن بربه إذا نظر إلى زهرَة الدُّنْيَا فدعته إلى نَفسهَا برونقها البهيج أن يَقُول لَهَا بِلِسَان الْحَال إليك عني يَا سريعة الزَّوَال إنما تصلحين للتشويق إلى دَار لَيْسَ لساكنها عَنْهَا انْتِقَال
أنت خزف فانٍ وَتلك جَوْهَر بَاقٍ فلتفرق بَين الدَّاريْنِ عقول الرِّجَال خل عَن منزل الزَّوَال والفناء ويمم نَحْو الجناب العالي منزل الْكَرَامَة والأنس والبر ونيل المنى ونيل النوال تِلْكَ وَالله دَار قوم شروها بنفيس النُّفُوس والأموال حِين زفت إليهم خطوبها ثمَّ ساقوا لَهَا المهور الغوالي قَاتلُوا دون خدرها فِي هَواهَا بصفاح بيض شَرّ غوالي ثمَّ حاموا عَنْهَا وحاموا عَلَيْهَا بورود الأوجال والآجال
فامتطوا عزم معشر رَغِبُوا فِي أن يحلوا ساميات الْمَعَالِي سادة قادة حماة كماة محب مزل فحول وَرِجَال لبسوا للردى دروع اصطبار ولقوه بعزمه الأبطال خشيَة أَن يفوتهُمْ مَا رجوه من جناب الْمُهَيْمِن المتعال لم يزَالُوا فِي السّير حَتَّى أناخوا بِمحل الإكرام والإجلال مقْعد الصدْق فِي جناب مليك ذِي اقتدار وَعزة وجلال. انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...